Friday, June 12, 2009

عوامل البقاء في شريعة خاتم الأنبياء

عوامل البقاء في شريعة خاتم الأنبياء


أرسل الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وجعل شريعته هي الشريعة الخاتمة التي لن يأتي بعدها غيرُها، بل أنزلها لتكون حاكمة على الناس في جميع الأماكن والأزمان.

ولذلك حوت هذه الشريعة المباركة من أسباب الدوام ما يجعلها صالحة للديمومة والبقاء ما بقي الليل والنهار.. ومن مميزات بقاء هذه الشريعة الغراء:

1- ربانية المصدر:
فتشريعات الإسلام مصدرها الوحي المعصوم سواء كان كتاب الله الكريم أو سنة رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، ثم الإجماع والقياس المعتمدان على الأصلين الأولين.

فالمصدر الأول القرآن:
كتاب الله وهو كلامه الذي أنزله على نبيه ليكون دستورا لخلقه، بين الله فيه كل ما يحتاج البشر، إجمالا أحيانا وتفصيلا أحيانا أخرى، وجعله كتاب هداية ونور.

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}... (الإسراء : 9). فهو يهدي للتي هي أقوم في العقائد، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات، وسائر ما يحتاجه الخلق.. {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}... (إبراهيم : 1).

والسنة هي الوحي الثاني:
أوحاه الله إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فهي صنو القرآن في الأوامر والأحكام والتشريع، ولا تقل السنة أهمية عن القرآن، بل قد قال بعض أهل العلم: (إن القرآن أحوج إلى السنة منها إلى القرآن).

وتوضيح ذلك أن السنة تبين مبهم القرآن، وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}... (النحل : 44).

وقال صلى الله عليه وسلم: [ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه] (رواه أبو داود).

وقال: [ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله.] (رواه الترمذي وحسنه).

وهؤلاء من أجهل الخلق بالكتاب والسنة، فلو كانوا يفقهون أو يعقلون ما في القرآن كما يدعون لعلموا أنه لا غنى للقرآن عن السنة بحال.

ففي القرآن قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ} فمن أين عرفت مواقيتها وأركانها وشروطها وأعداد ركعاتها إلا من السنة؟.

وفي القرآن قوله تعالى: {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} فمن الذي عرف الناس مقاديرها وأنصباءها ومصارفها ومن يستحقها ممن لا يستحقها؟.

وفي القران قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}... (آل عمران : 97) فمن أين عرف الناس الحج إلا من قوله صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم)؟.

وفي الحدود قوله سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.... (المائدة : 38) .. فهل نقطع اليدين معا؟ ومن أين نقطعها؟ من الكتف؟ من الكوع؟ من المرفق؟ فأخذ علم ذلك كله من السنة.

فالسنة المطهرة وحي ومصدر تشريع كما القرآن تماما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}... (الحشر : 7)، وقال تعالى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}... (النساء : 65)، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}... (آل عمران : 31)، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.... (النور: 63).

وكون التشريع رباني المصدر يميزه بميزتين:
الأولى: العلم المطلق:

فمصدر التشريع هو الله العالم الذي أحاط بكل شيء علما، والذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.. ويعلم مكنونات الصدور، ومآلات الأمور، ومن بعض علمه: علمه بما يصلح الناس من الأحكام والتشريعات وما يفسدهم، فهو خلقهم وهو أعلم بهم؛ كما قال سبحانه: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.... (الملك : 14).

وكل شرع أو قانون ففيه من الجهل والضرر بقدر جهل صاحبه وواضعيه.

الثانية: الحكمة التامة:
فالله هو الحكيم، وأصل الحكمة وضع الأمور في نصابها والأشياء في أماكنها، فلا خلل ولا نقص بل كل شيء يجري على الحكمة.

والحكمة في التشريع وضع العقوبة على قدر الذنب بلا زيادة ولا نقصان. وإتيان الحكم بالثمرة المرجوة من ورائه، وهو ما يميز شرعة الإسلام عما سواها.

2- الشمولية:
فشريعة الله أتت جامعة لكل مناحي الحياة، ومبينة لكل ما يحتاجه الناس.. فجاءت الشريعة مبينة لأسس الحكم والسياسة الشرعية وعلاقة الحاكم بالمحكوم والرؤساء بالمرؤوسين، وأصوليات الاقتصاد والمعاملات والبيوع، وقواعد علم الاجتماع والأخلاق، والتعامل مع أهل الذمة وغير المسلمين.

وما تركت الشريعة - كتابا أو سنة - بابا يحتاجه الناس إلا ووضعت لهم أصول وقواعد وأسس التعامل فيه، حتى بر الأبناء بالآباء، وتربية الآباء للأبناء، وحقوق الزوج على زوجته، والزوجة على زوجها، وآداب الضيافة، والاستئذان، حتى أخص خصوصيات الإنسان عندما يأتي الرجل أهله علمته الشريعة المباركة وأدبته ففي صحيحي البخاري ومسلم قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا).

وقديما أراد بعض المشركين الاستهزاء بدين الإسلام ونبيه وأهله فقال رجل منهم لسلمان الفارسي رضي الله عنه: (قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: أجل. لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) رواه مسلم.

فشريعة لا تترك لأصحابها وأتباعها مثل هذه الأمور حتى تبين لهم فيها أدبا وعلما هل تتركهم فيما هو أكبر من ذلك؟ وهل يجوز بعد كل هذا أن نتركها إلى غيرها، أو أن نتبع غيرها أو أن نرضى بسواها؟

3- الجمع بين الثبات والمرونة ( قابلية التطور):
فقد وضع الله هذه الشريعة لتصلح لكل زمان ومكان، وكل المخلوقين على مدار الأزمان؛ ولذلك كانت لها خاصية التطور بحيث تسع أحكامها كل جديد ويدخل تحت أصولها كل مستحدث، ففيها الثابت الذي لا ينبغي أن يتغير بتغير الزمن، كأمور العقائد وأمور العبادات، ومكارم الأخلاق، وتحريم القتل، والخمر والربا، والحدود والعقوبات، فهذه باقية في الأصل ولا ترفع إلا لضروريات تقدر بقدرها.

وأما ما يقبل التغير من الأمور فقد وضعت لها الشريعة قواعد تستوعب كل متطور ويدخل تحتها كل جديد ولا بد أن يجد كل أمر مستحدث حكما له في الدين.

وقد رأينا أمورا استجدت فانبرى لها علماء الإسلام ليبينوا صحتها من فسادها وحلالها من حرامها كالاستنساخ، وتأجير الأرحام، وبيع الأعضاء، ومسائل كثيرة في البيع والشراء والمعاملات، وسمعنا من علمائنا عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال.

4- التوازن بين المادية والروحية:
فالله هو الذي خلق الإنسان، خلقه من تراب وطين ثم نفخ فيه من روحه، فكان بشرًا سويا فيه من الأرض طينها، ومن السماء روحها، وهو محتاج إلى ما يصلح روحه وبدنه جميعا. فجاءت شريعة الإسلام لتوازن بين الأمرين:

ففي جانب الروح:
العبادات: صلوات، وزكوات، وصيام، وأمر بالتقوى، والخوف من النار، ومراقبة الله الواحد القهار.

وفي جانب البدن المادي:
- أباحت الزواج تحقيقا للذة البدن وردا للشهوة عن الحرام.
- وأحلت التنعم بالمطعومات والمشروبات الحلال، ونهت عن تعذيب النفس بالحرمان أو الوصال بالصيام الدائم.
- وطالبت براحة البدن وعدم تعذيب الجسم ولو في العبادة.

وخير دليل على هذا وأوضحه ما ثبت في صحيح البخاري أنه: (جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني]).

ورغم أن مقصد الثلاثة هو التقرب إلى الله والرغبة في زيادة التعبد وطلب رضاه سبحانه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك خروجا عن جادته وتنكبا عن طريقته..

وذلك أن ما أرادوه مخالف للفطرة وأصل الخلقة فلا يمكن لأحد أن يغالب النوم ولا أن يترك الطعام بل ولا شهوة النكاح التي ركبها الله فيه لحكمة أرادها، ولما أراد قساوسة النصارى أن يترهبنوا ويحاربوا هذه الفطرة في العلن خانوها في السر وظهر فيهم الزنا بينهم وبين الراهبات في دور عبادتهم، بل وفشا فيهم اللواط والسحاق حتى ضج منهم ومن فضائحهم أهل ملتهم..

وهذا جزاء كل من يحاول معاندة فطرة الله تعالى، ومن هنا يعلم فضيلة شرعة الإسلام ومدى مراعاتها لأحوال العباد على الدوام.

5- التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة:
فكل إنسان له دوافعه ورغباته، ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة وأمنياته، وقد تتعارض مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فجاءت الشريعة لتنظم الأمر وتجمع بين المصلحتين.. فلا تطغى واحدة على الأخرى إجحافا بها.

فصانت الشريعة للإنسان حقه فيما يملك فلا يُعتدَى عليه قال صلى الله عليه وسلم: [فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا] متفق عليه.

وللفرد حق الانتفاع بما يملك ما لم يضر بالآخرين، ولا يفسد حياة الجماعة؛ ومن ثم منعت الشريعة بيع المخدرات ومنعت الربا والزنا وأشباهها مما فيه بعض مصلحة لفاعله لكنه يعود بالضر على المجموع، كما منعت أيضا الاحتكار لعدم الإضرار بالجماعة، ولا يؤخذ منه ماله أيضا ولكن يؤمر أن يبيع بثمن المثل مراعاة لحقه وحقوق الناس.

6- الواقعية:
فالشريعة تتعامل مع واقع لا مع خيال، فهي تشرع للأغنياء والفقراء وهناك مرضى وهناك أصحاء، وهي تتعامل مع نفوس بشرية تخطئ وتصيب، وتعصي وتطيع، وتنفق وتشح، وربما تضطر أحيانا لتخفيف أو تيسير فراعت الشريعة كل هذه الأمور ورفعت عن الناس الحرج: ففي سورة البقرة: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا}، وفي سورة الحج: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وفي سورة المائدة: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

وفي الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: [صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب].

وفي الصيام قال سبحانه: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)

وجعل الحج على من استطاع إليه سبيلا فقط. ومن لا قدرة له عليه سقط عنه.

وراعت الشريعة الطبيعة البشرية فليس أحد بمعصوم فإذا انتهز عدو الله إبليس منك غفلة أو غضبا أو شهوة فاعلم أن [كل ابن أدم خطاء وخير الخطائين التوابون].

ومن نظر في تشريع الطلاق لإنهاء حياة لا توافق فيها أو وقف مضرة لأحد الطرفين، أو نظر إلى التعدد وما فيه من خير للنساء قبل الرجال وكونه حلا لمشكلات اجتماعية كالعنوسة وغيرها، أو أحكام النظر والنهي عن الاختلاط المحرم لمنع آثاره المدمرة على المجتمع .. علم من خلال هذه الأحكام وغيرها واقعية الشريعة وصلاحيتها لضبط حياة الناس وواقعهم.

7- العدالة المطلقة:
قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ}... (الأنعام : 115) فشريعة الله هي القول الصدق وهي الحكم العدل {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}... (المائدة : 42)، {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}... (المائدة : 8).

فكل الناس أمام شريعة الله سواء، فليست هي شريعة تطبق على الفقراء دون الأغنياء، ولا على المرؤوسين دون الرؤساء، ولا على المملوكين دون السادة، لا بل هي حكم الله على رقاب جميع العباد.

وقد أوضح هذا تمام الوضوح حديث المخزومية حين شفع فيه أسامة بن زيد فكان رد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) رواه البخاري.

8- العالمية:
فهي شريعة نزلت لتحكم الدنيا كلها، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}... (الأنبياء : 107)، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ}... (سبأ : 28)، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}... (الفرقان : 1).

فالأصل أن تكون شريعة الله هي الحاكمة على جميع العالمين، وأن يحكم أهلها بين الناس، فانظر كيف ضُيعت الأمانة وانقلب الحال، فصار يحكمنا من كنا نحكمه، ويصرف أمورنا من كنا نصرف شؤونه.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنون بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) (صحيح الترغيب والترهيب).

9- الرقابة المزدوجة:
وهذه ميزة لا تكون في غير أصحاب هذه الشريعة، فأهلها يعلمون أن الله مطلع عليهم في سرهم وجهرهم فلا يستطيعون أن يخالفوها ظاهرا أو باطنا أو مع الناس أو بعيدا عن أعينهم..

حدث في نيويورك قبل سنوات أن انقطعت الكهرباء فوقعت عمليات سلب ونهب واغتصاب لم يسبق لها مثيل، ففي ظلام النهار والليل وغياب رجال القانون استغل ضعاف النفوس الموقف.

وعندما وقع الإعصار في المسيسيبي كان أكثر الناس عدوانا وظلما الشرطة نفسها ولا تسل عن حالات السرقة والسلب والاغتصاب.

فأين هذا من ماعز الذي زنا فما رآه أحد ولا علم به أحد حتى أتى بنفسه إلى النبي ليطهره وهو يعلم أن جزاء فعله الرجم، فجاء راضيا بحكم الله ليلقاه في الآخرة طاهرا مطهرا ولو شاء لسكت ولما علم به أحد غير الله تعالى، غير أنه يعلم أن الله يراه وهذا ما حمله على فعل ما فعل.

لقد أرادت أمريكا في الستينات أن تمنع الخمر بالقانون فأنفقت مئات الملايين من الدولارات وما زاد الناس إلا شربا للخمر ومعاقرة لها، ولما أراد الله أن يحرم الخمر على المسلمين كانت بضع كلمات في آيتين من كتاب الله كفيلة بهذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}... (المائدة: 90-91).

وهذا هو الفارق بين كل قانون وضعي وبين قانون الله تعالى، ولذلك كان العجب كل العجب أن يترك أهل هذه الشريعة شريعتهم ليبحثوا عن حثالات الأفكار وزبالات الأوهام وخبالات الأفهام وهو أمر جدير بالتعجب والاستنكار استنكره عليه خالقهم سبحانه فقال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}... (المائدة : 50).

اللهم أقر عيوننا بنصر الإسلام وعز المسلمين، وحكم فينا شرعك وسنة نبيك يا أكرم الأكرمين.

المصدر: موقع الشبكة الإسلامية

صبر النبي صلى الله عليه وسلم

صبر النبي صلى الله عليه وسلم


إن الحديث عن صبره عليه الصلاة والسلام، هو في حقيقة الأمر حديث عن حياته كلها، وعن سيرته بجميع تفاصيلها وأحداثها، فحياته صلى الله عليه وسلم كلها صبر ومصابرة، وجهاد ومجاهدة، ولم يزل عليه الصلاة والسلام في جهد دءوب، وعمل متواصل، وصبرٍ لا ينقطع، منذ أن نزلت عليه أول آية، وحتى آخر لحظة في حياته.

لقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيعة ما سيلقاه في هذا الطريق، منذ اللحظة الأولى لبعثته، وبعد أول لقاء بالملك، حين ذهبت به خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل، فقال له ورقة: يا ليتني كنت حياً إذ يخرجك قومك، فقال له عليه الصلاة والسلام: (أو مخرجي هم؟)، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. فوطن نفسه منذ البداية على تحمل الصد والإيذاء والكيد والعداوة.

ومن المواقف التي يتجلّى فيها صبره عليه الصلاة والسلام، ما تعرض له من أذى جسدي من قومه وأهله وعشيرته وهو بمكة يبلغ رسالة ربه، ومن ذلك ما جاء عند البخاري أن عروة بن الزبير سأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟.

وفي يوم من الأيام كان عليه الصلاة والسلام يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوس، فقال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به، فانتظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه على ظهره بين كتفيه، فجعلوا يضحكون ويميل بعضهم على بعض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره الأذى.

وأشد من ذلك، الأذى النفسي المتمثّل في ردّ دعوته وتكذيبه، واتهامه بأنه كاهن وشاعر ومجنون وساحر، وادعاء أن ما أتى به من آيات ما هي إلا أساطير الأولين، ومن ذلك ما قاله أبو جهل مستهزئا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الأنفال: 33 – 34).

وروى البخاري في صحيحة أن امرأة من المشركين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك؛ لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا. فأنزل الله عز وجل: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} (الضحى: 1 – 3)، وكان أبو لهب يتْبَع النبي صلى الله عليه وسلم في مجامع الناس وأسواقهم، ويكذّبه، بينما كانت امرأته أم جميل تجمع الحطب والشوك وتلقيه في طريقه.

وقد حدَّث صلى الله عليه وسلم عن موقف من مواقف الأسى والكرب، حين يبلغ بالإنسان الحد أن ينسى نفسه وهو في غيبوبة الهم والحزن، وذلك بعد أن ضاقت عليه مكة فخرج إلى الطائف يطلب النصرة...

فقد روى البخاري ومسلم أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقالت: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد فقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا).

ويبلغ الأذى قمته فيُحاصر صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وتهجم عليه الأحزان المتوالية، فيفقد زوجته خديجة التي كانت خير ناصر ومعين بعد الله عز وجل، ثم يفاجأ بموت عمه الذي كان يحوطه ويدافع عنه، ويضاعف حزنه أنه مات على الكفر، ثم يخرج من بلده مهاجراً بعد عدة محاولات لقتله واغتياله، وفي المدينة يبدأ عهداً جديدا ًمن الصبر والتضحية،، وحياة فيها الكثير من الجهد والشدة، حتى جاع وافتقر، وربط على بطنه الحجر...

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ول بلال طعامٌ يأكله ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال) رواه الترمذي.

وما بدر وأحد والأحزاب وتبوك وحنين وغيرها من غزواته وسراياه التي بلغت مائة غزوة وسرية، إلا صفحات مضيئة من صبره وجهاده صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يخرج من غزوة إلا ويدخل في أخرى، حتى شُجَّ وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، واتهم في عرضه، ولحقه الأذى من المنافقين وجهلة الأعراب.

بل روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة، فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله، قال ابن مسعود: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فتمعر وجهه وقال: (رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).

ومن المواطن التي صبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أيّام موت أولاده وبناته، حيث كان له من الذرية سبعةٌ، توالى موتهم واحداً تلو الآخر حتى لم يبق منهم إلا فاطمة رضي الله عنها، فما وهن ولا لان، ولكن صبر صبراً جميلاً، حتى أُثر عنه يوم موت ولده إبراهيم قوله: (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).

ولم يكن صبر النبي صلى الله عليه وسلم مقتصراً على الأذى والابتلاء، بل شمل صبره على طاعة الله سبحانه وتعالى حيث أمره ربّه بذلك في قوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35)، وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132)، فكان يجتهد في العبادة والطاعة حتى تتفطّر قدماه من طول القيام، ويكثر من الصيام والذكر وغيرها من العبادات، وإذا وكان شعاره في ذلك: أفلا أكون عبدا شكورا ؟

لقد كانت وقائع سيرته صلى الله عليه وسلم مدرسة للصابرين، يستلهمون منها حلاوة الصبر، وبرد اليقين، ولذة الابتلاء في سبيل الله تعالى.

المصدر: موقع الشبكة الإسلامية

Wednesday, June 10, 2009

اعجاز الله في خلق العنكبوت للدكتور صبرى الدمرداش

اعجاز الله في خلق العنكبوت للدكتور صبرى الدمرداش

هذه الصورة تم تصغيرها تلقائيا . إضغط هنا لعرض الصورة بحجمها الطبيعي. أبعاد الصورة الأصلية 720x576 .


برنامج

أفلا يتدبرون

تقديم :

د:علي المشد

ضيف الحلقات :

د: صبري الدمرداش

!!! العنكبوت !!!


سكرين

هذه الصورة تم تصغيرها تلقائيا . إضغط هنا لعرض الصورة بحجمها الطبيعي. أبعاد الصورة الأصلية 720x576 .



=-----------------------------=

للتحميل اختر سيرفر واحد فقط

=-----------------------------=
mediafire
http://www.short5.com/link/2133
=-----------------------------=
hotfile
http://www.short5.com/link/2134
=-----------------------------=
sendspace
http://www.short5.com/link/2135
=-----------------------------=
MegaShare
http://www.short5.com/link/2136
=-----------------------------=
flyupload
http://www.short5.com/link/2137
=-----------------------------=
load
http://www.short5.com/link/2138
=-----------------------------=
netload
http://www.short5.com/link/2139
=-----------------------------=
badongo
http://www.short5.com/link/2140
=-----------------------------=
megaupload
http://www.short5.com/link/2141
=-----------------------------=
easy-share
http://www.short5.com/link/2142
=-----------------------------=
zippyshare
http://www.short5.com/link/2143
=-----------------------------=
2shared
http://www.short5.com/link/2144
=-----------------------------=
depositfiles
http://www.short5.com/link/2145
=-----------------------------=
تحياتى للجميع

سلسلة القدس الارض المباركة للاستاذ عمرو خالد كاملة تحميل مباشر على اكثر من سيرفر

سلسلة القدس للاستاذ عمرو خالد

هذه الصورة تم تصغيرها تلقائيا . إضغط هنا لعرض الصورة بحجمها الطبيعي. أبعاد الصورة الأصلية 604x483 .




سلسلة القدس
لاستاذ عمرو خالد
01- القدس_الارض المباركه 1
02- القدس_الارض المباركه 2
03-القدس- أسئلة حول القضية 1
04-القدس - أسئلة حول القضية2
05- القدس - صفات المجاهدين1
06- القدس - صفات المجاهدين 2


* للتحميل اختار سيرفر واحد فقط *



________________________


Rapidshare
http://www.short5.com/link/1844

Mediafire
http://www.short5.com/link/1845

Files.to
http://www.short5.com/link/1846

Hotfile
http://www.short5.com/link/1847

ifile.it
http://www.short5.com/link/1848



________________________

Tuesday, May 26, 2009

وقال الشيخ نصر

وقال الشيخ نصر
Muslima abdu

ندَّد الشيخ نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق باستمرار النظام المصري في إغلاق الحدود بين قطاع غزة ومصر للعام الثالث على التوالي، معتبرًا السعي إلى إحكام الحصار هو بمثابة الحرب المعلنة على ديار المسلمين ودعمٍ للعدو.
وأوضح واصل في تصريحاتٍ نشرتها اليوم الإثنين (25-5) صحيفة "القدس العربي" أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال صنع الأعذار لأي نظام عربي في تقاعسه عن نجدة مليونَي فلسطيني من أهالي القطاع، قائلاً: "إذا كان المولى عز وجل سيُدخل امرأةً النار لأنها حبست هرة، فما بال الذي يحبس مليونَي مواطن ويحُول بينهم وبين العلاج والطعام وطلب العلم".
وشدَّد على أنه لا يجد أي عذر يُقبل في هذا السياق، وقال: "الذين يتحدثون عن دفع الضرر عن النفس لا يدركون أن كمال الإيمان لا يتحقق إلا بأن يحبَّ المرء لأخيه المسلم ما يحب لنفسه"، متسائلاً: "هل يقبل مواطن لنفسه أن تعيش أسرته في رعب وظلم وقهر وجوع عدة أعوام؟!"، رافضًا الذرائع التي يُطلقها البعض بشأن حتمية هدم الأنفاق بين رفح وقطاع غزة.
واعتبر الأنفاق الشريان الوحيد المتبقي من أجل إبقاء الفلسطينيين على ظهر الحياة، وأفتى بحرمة ردم الأنفاق؛ لما فيها من إلحاق المزيد من الضرر بالفلسطينيين، قائلاً: "لا يحل لأي جهة أو مسؤول تدمير تلك الأنفاق مهما كانت التهم التي توجَّه للطرف الذي يستخدمها".
وأكد أن الامتثال للمطالب الأمريكية والصهيونية في هذا الشأن هو بمثابة إعانة العدو على الشقيق، نافيًا أن يكون هناك نص من القرآن والسنة قد أباح مثل ذلك السلوك.
وانتقد واصل الأنظمة التي لا تريد دعم حركات المقاومة بزعم أنها تعمل ضد مصالح الشعب الفلسطيني قائلاً: "دعم "حماس" وشقيقاتها فرض عين على القادرين من المسلمين، كما أن مساندتها تمثِّل واجبًا على حكام المسلمين ليس بإمكانهم الفرار منه مهما اختلقوا من أعذار"، مناشدًا علماء الدين أن يكونوا عين الأمة الساهرة في الدفاع عن المقدسات الإسلامية مهما شكَّل ذلك من عبء عليهم، وقال: "إذا لم يدافعوا عن القدس والمقدسات والشعب والعِرض فعن أي قضية شريفة أخرى بوسعهم أن يدافعوا؟".
واعتبر واصل ضياع فلسطين من البحر إلى النهر بأنه خطيئة الحكام العرب ومن عاونهم من علماء الدين الذين أطلقوا لهم الفتاوى التي تجعلهم يتمادَون في خلق الأعذار تلو الأعذار، بينما العدو الصهيوني يلتهم كل صباح مساحة جديدة من الأرض.

وفي ذات السياق انتقد مفتي مصر الأسبق المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، والتي أسفرت عن تغييب قضية القدس عن أذهان الأجيال الجديدة، وتساءل عن المغزى من تقليص تدريس ما له علاقة بفلسطين والقضية في مناهج التعليم المختلفة؛ مما كرس في نهاية الأمر حالةً من فقدان الذاكرة والهويَّة بالنسبة للأجيال الجديدة، فلم يعد الكثير من الشباب يعلم الكثير عن القضية.

Friday, February 27, 2009

جذور العلاقة بين تركيا واليهود

جذور العلاقة بين تركيا واليهود

Anas Abu Tahoun



سؤال يتردد في أذهان الكثيرين من الغيورين على هذه الأمّة العظيمة أمّة الإسلام، وهو لماذا لا تقطع تركيا عَلاقتها مع الكيان الصهيوني خاصةً أن التوجُّه الإسلامي واضح الآن في تركيا؟ بل لماذا تُصِرّ تركيا على استمرار التعاون العسكري مع الكيان الصهيوني، والذي يشمل صفقات سلاح، وتدريبات مشتركة، إضافةً إلى تبادل معلومات استخباراتية؟!

لا شك أنه سؤال يراود أذهان الكثير والكثير..

والإجابة عليه صعبة، وتحتاج إلى عودة إلى الوراء لتحليل التاريخ، ودراسة جذور العلاقة، وفهم خلفيات هذا التعاون..

إنه علينا أن نعود لأكثر من مائة سنة لنفهم هذه الأمر! بل قد نحتاج إلى قراءة بعض الأحداث التي مرّ عليها مئات السنوات!!

لقد كانت الخلافة العثمانية خلافة إسلامية من الدرجة الأولى، وكان لها الكثير من الأيادي البيضاء على الأمّة الإسلامية، وكانت تمثل القوة الأولى في العالم لأكثر من مائتي سنة متصلة، وفي أثناء قوتها قبلت أن تستضيف في ديارها العائلات اليهودية الهاربة من الأندلس بعد سقوطها سنة 1492م، وأكرمتهم كرمًا بالغًا، وأعطت لهم بعض الإقطاعيات في مدينة سالونيك باليونان (وكانت تابعة للخلافة العثمانية)، وعاش اليهود في كنف الخلافة العثمانية في غاية الأمن والاستقرار.

لكن مرت الأيام وبدأت الخلافة العثمانية في الضعف كدورةٍ طبيعية من دورات الحياة، وفي نفس الوقت تظاهر عدد كبير من اليهود بالإسلام، وعرفوا بيهود الدونمة، أي اليهود الذين ارتدوا عن اليهودية إلى الإسلام، لكن هؤلاء ظلوا على ولائهم الكامل لليهود وإن كانوا يحملون أسماءً إسلامية..

يهود الدونمةووصل بعض هؤلاء اليهود إلى بعض المناصب الرفيعة في الدولة، وتعاونوا في السر مع إنجلترا وفرنسا واليهود لإسقاط الخلافة العثمانية، وتعطل مشروعهم بشدة عند ظهور السلطان عبد الحميد الثاني - رحمه الله - الذي حكم الخلافة العثمانية من سنة 1876 إلى سنة 1909م، ولكن قام هؤلاء اليهود بإنشاء جمعية تسمى "جمعية تركيا الفتاة" تدعو إلى الأفكار العلمانية والقومية، ومناهضة الفكرة الإسلامية بقوّة، ثم ما لبث أن التحق بها عدد كبير من أفراد الجيش مُكوِّنين ما عُرف بحزب الاتحاد والترقي، وهو الجناح العسكري بجمعية تركيا الفتاة.. وكان الشيء الجامع لكل هؤلاء الأعضاء هو علمانيتهم الشديدة، وكراهيتهم العميقة لكل ما هو إسلامي، وولاءَهم الكامل لليهود والإنجليز والفرنسيين.

قام "حزب الاتحاد والترقي" بالانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني في سنة 1909م وبدءوا في نشر الأفكار العلمانية في الدولة، السلطان عبد الحميد الثاني أخر سلاطين الدولة العثمانيةووضعوا في الخلافة أحد الخلفاء الضعفاء جدًّا، وهو محمد رشاد الملقَّب بمحمد الخامس، وحكموا البلاد من وراء الستار.

ظهرت بعد ذلك شخصية من أسوأ الشخصيات في التاريخ الإسلامي وهو شخصية مصطفى كمال (الملقب بأتاتورك)، وكان علمانيًّا كارهًا للإسلام تمامًا، ومواليًا للإنجليز واليهود بشكل كامل، وساعده الإنجليز في قلب نظام الحكم في الخلافة العثمانية، بل وإلغاء الخلافة العثمانية تمامًا، وإنشاء الجمهورية التركية، والانفصال الكامل عن كل بلاد العالم الإسلامي، ثم قام مصطفى كمال أتاتورك بوضع دستور الدولة التركية، وفيه أكّد بوضوح وصراحة على أن دولة تركيا علمانية لا دين لها، وألقى الشريعة الإسلامية، وصاغ القانون من القانون السويسري والإيطالي، وأتبع ذلك بعدة قوانين منعت كل مظهر إسلامي في البلد؛ كإلغاء الحروف العربية من اللغة التركية، واستخدام اللاتينية بدلاً منها، وإلغاء منصب شيخ الإسلام، ومنع الأذان للصلاة باللغة العربية، ومنع الحجاب من المؤسسات الحكومية والجامعات والمدارس، وإغلاق عدد كبير من المساجد، وقتل أكثر من 150 عالمًا من علماء الإسلام، وغير ذلك من القوانين والمواقف التي رسّخت العلمانية في تركيا.

وبحكم أن مصطفى كمال أتاتورك كان قائدًا من قوّاد الجيش، فإنه أعطى للجيش التركي صلاحيات هائلة، ووضع في بنود الدستور ما يكفل للجيش التدخُّل السافر لحماية علمانية الدولة! وأصبحت العلمانية والبُعد عن الإسلام هدفًا في حد ذاته، وكان ذلك بالطبع بمباركة واضحة من الغرب الصليبي ومن الصهاينة في أنحاء العالم المختلفة، بل إن أفراد حزب الاتحاد والترقي - الذين صاروا قوادًا للجيش التركي - لهم جذور يهودية معروفة أو انتماءات ماسونية يعرفها الجميع.

مصطفى كمال أتاتوركسيطر أتاتورك وآلته العسكرية الجبارة على الإعلام والتعليم، ومن خلالهما غيّروا أفكار الشعب التركي تمامًا، وحوّلوه إلى العلمانية المطلقة، ولعدة عشرات من السنين..

وفي 1948م قامت دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" في فلسطين، وفي سنة 1949م اعترفت تركيا بدولة إسرائيل، وكانت هي الدولة الإسلامية الأولى التي تصدر هذا الاعتراف.

وقامت تركيا بعلاقات حميمة مع الكيان الصهيوني، وأعلن بن جوريون قيام حلف الدائرة ليحيط بالعالم العربي، وكان هذا الحلف مكوَّنًا من تركيا وإيران (أيام الشاه) وإثيوبيا، وهو بذلك يقيم علاقات مع دول لها حساسية خاصة في التعامل مع العرب، وخاصةً أن هذه الدول كانت تامة العلمانية في ذلك الوقت.

ومع مرور الوقت زادت أواصر العلاقة بين اليهود والأتراك العلمانيين، وتوثقت الأواصر العسكرية بين الطرفين بشكل مبالغ فيه، وليس هذا أمرًا مستغربًا في ظل معرفة الخلفية اليهودية لقيادة الجيش التركي من أيامه الأولى..

ولقد حرص أتاتورك وخلفاؤه من بعده على استقلال المؤسسة العسكرية بشكل كبير، ومِن ثَمَّ فرئيس الوزراء يكوِّن وزارته من عدة وزراء منهم وزير الدفاع، ومع ذلك فلا يحق لهذا الوزير أن يغيِّر شيئًا في منظومة الجيش، بل يعودُ ذلك إلى "المجلس العسكري الأعلى"، والذي يختار رئيس الأركان بعناية شديدة، ثم يُصدِّق على هذا الاختيار رئيس الجمهورية، ومع أن الدستور ينصّ على أن رئيس الجمهورية هو الذي يختار رئيس أركان الجيش إلا أن هذا لا يتم في أرض الواقع، وبذلك يصبح الجيش مؤسسة مستقلة لها قيادتها البعيدة عن سيطرة رئيس الدولة أو رئيس الوزراء!

وزاد النظام التركي من التعقيد في الأمور بإضافة ما يسمى بـ "مجلس الأمن القومي"، والذي يضم بعض العسكريين وبعض المدنيين، وذلك للتدخل بشكل رسمي في الأمور السياسية، وحرص الجيش على أن يكون عدد العسكريين أكبر، وبذلك صار تدخل الجيش في السياسة والانتخابات والأحزاب أكثر من أي مؤسسة أخرى في الدولة.

كل هذه الأمور جعلت التوجُّه العلماني في الدولة أمرًا مفروضًا بالقوة، كما جعلت العلاقة مع اليهود موثّقة بشكل يصعب الفكاك منه..

ولم يكن الجيش يتردد في أن يقوم بانقلاب عسكري على الحكومة إذا ظهرت أي بوادر احترام للإسلام، أو سماح له بالظهور! ولقد قام الجيش بانقلاب دمويّ خطير سنة 1960م للإطاحة بحكومة عدنان مندريس، الذي لم يكن إسلاميًّا، إلا أنه سمح لبعض القوى الدينية الإسلامية بالحركة، فاعتبر الجيش ذلك خرقًا لعلمانية الدولة، وقاموا بانقلاب، وحكموا بالإعدام على رئيس الدولة عدنان مندريس، وكذلك على ثلاثة من خاصَّته!

وحدث انقلابان آخران في سنة 1971م وسنة 1980م، وكان الذي قام بالانقلاب الأخير هو الجنرال كنعان إيفرين، الذي وضع عدة قوانين في الدستور التركي تعطي صلاحيات أكبر وأكبر للجيش للسيطرة على أي دوافع إسلامية في الدولة.

لقد كانت حربًا ضروسًا شنّها قادة علمانيون كارهون للإسلام تمامًا، وزادوا في كراهيتهم للإسلام على الصليبيين واليهود، وإن كانوا يحملون أسماءً إسلامية!!

في ظل هذه السيطرة العسكرية العلمانية نستطيع أن نفهم أن القرار في تركيا ليس خالصًا في يد رئيس الدولة أو رئيس الوزراء، وأنه ليس بالضرورة أن تكون مقنعًا حتى تنفذ ما تريد، بل إن الجيش يُملِي إرادته بصرف النظر عن الحُجّة والدليل، وهنا تصبح كل الرغبات الإصلاحية في مهبّ الريح إذا ما أراد الجيش العلماني أن يقف ضد الإصلاح.. ومِن ثَمَّ فعلى المحللين للأوضاع في تركيا أن يراعوا هذه الأمور عندما يتوقعون قرارًا من رئيس الوزراء أو غيره، كذلك عليهم أن يفهموا أن ارتباط الجيش التركي بالصهاينة هو ارتباط أيدلوجي فكري، وليس فقط قائمًا على المصالح. ولذلك فإنه إذا كان للعَلاقات التركية الصهيونية أن تنقطع فإن ذلك سيتطلب وقتًا كافيًا، إما لتغيير الدستور لتقليص سيطرة الجيش، وإما لتغيير الجيش نفسه!!

فوز أردوجان بتشكيل الحكومة التركيةكان هذا هو تدبير أتاتورك وحلفائه من اليهود والإنجليز والصليبيين، ولكن كان هناك تدبير آخر لم يطلع عليه كثير من المراقبين، وهو تدبير رب العالمين!

إذ إنه مع كل هذا الضغط العلماني في الجيش والإعلام والتعليم والسياسة إلا أن الإسلام ظهر من جديد في هذه الدولة الإسلامية الأصيلة، وكان كنباتٍ أخضر جميل نبت في صخور صمّاء لا تبدو عليها آثار الحياة!

كيف حدث هذا؟ وكيف تغيَّر الشعب؟ وكيف ظهر أربكان؟ وكيف وصل أردوجان لمنصب رئيس الوزراء؟ وماذا كان ردّ فعل المؤسسة العسكرية؟ وما هو المتوقع لمستقبل العلاقة بين رئيس الأركان العلماني ورئيس الوزراء الإسلامي؟!!

هذه أسئلة تطول الإجابة عليها، وهي موضوع مقالنا القادم.

ونسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين

قصة الحركة الإسلامية في تركيا

قصة الحركة الإسلامية في تركيا

Anas Abu Tahoon

بقلم د. راغب السرجاني

لعله من أكثر الأمور عجبًا أن نشهد صحوة إسلامية حقيقية في بلد شديد العلمانية مثل تركيا، فالعلمانية في تركيا غير العلمانية في أوربا ذاتها؛ لأن الأوربيين في علمانيتهم أرادوا فقط فصل الدين عن السياسة، بينما العلمانيون في تركيا لم يكتفوا بذلك، إنما بنوا علمانيتهم على أساس محاربة الدين في أصوله وفروعه، وفي جوهره ومظهره، وهذا من أيام أتاتورك وإلى زماننا الآن، والذي يتولى كبر هذا الأمر هو الجيش التركي، كما فصّلنا في المقال السابق.

ومع هذه العلمانية الشديدة إلا أن الإسلام ظل باقيًا في هذه البلاد العظيمة، وهذا أمر لافت للانتباه حقًّا، وإن كان يدل على شيء فهو يدل على أن هذه الأمة الإسلامية أمة كريمة لا تموت، وأن بقاء الإسلام أمر حتمي لا يمكن أن يقاومه إنسان، كما يدل فيما يدل على أصالة الشعب التركي، وعلى وجود رموز إسلامية باهرة ظلت تحمل الراية في مواجهة الطاغوت أتاتورك، ومن جاء بعده من حماة العلمانية في تركيا الإسلامية.

لقد كان سقوط الخلافة العثمانية في سنة 1924م سقوطًا مروِّعًا كارثيًّا، ليس فقط لغياب رمز الخلافة التي كانت تجمع المسلمين، ولكن لغياب من ينادي بإسلامية قضايا المسلمين، ولم يعد هناك صوت مسموع إلا أصوات القوميين والعلمانيين، ليس في تركيا فقط، ولكن في كل بلاد العالم الإسلامي، وبلا استثناء.

ومع هذا فلم يكن هذا السقوط بلا مقاومة، لقد ظهرت في تركيا بعض الرموز الإسلامية الرائعة التي حرصت على حمل اللواء حتى في أشد عصور الظلام والقهر.

القبض على الشيخ سعيد بيران لمناداته بعودة الخلافة الإسلاميةلقد قامت حركة الشيخ سعيد بيران للمناداة بعودة الخلافة الإسلامية، ومناهضة القوانين العلمانية التي شرعها أتاتورك وحزبه، ولكن للأسف الشديد فإن الطاغية أتاتورك جابه هذه الحركة بدرجة كبيرة جدًّا من العنف، وأعدم الشيخ سعيد بيران، وعددًا كبيرًا من أتباعه، ونفى أعدادًا أخرى إلى خارج البلاد؛ ليحافظ على علمانية الدولة منذ أيامها الأولى.

والعجيب في أمر الشيخ سعيد بيران رحمه الله أنه كان من صوفية الأتراك، وكان من أتباع الطريقة النقشبندية، وهو بذلك يعطينا انطباعًا مختلفًا تمامًا عن الصوفية الذين نعرفهم؛ فهو يفهم واقعه تمامًا، ويعرف في أمور السياسة، ويجابه الطغاة الظالمين، ويقول كلمة الحق، ويقود تمردًا مسلحًا، ويُقبِل على الإعدام بشجاعة، ولا يُظهِر اعتزالاً أو بُعدًا عن قضايا أمته.. وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في ملف الصوفية في تركيا بالذات، وحقيقة الأمر أن الخلافة العثمانية منذ أيامها الأولى، وهي تتبنى الطرق الصوفية المختلفة، وليس عجيبًا أن تعرف أن كبار سلاطين الخلافة العثمانية مثل محمد الفاتح ومراد الثاني وبايزيد الصاعقة وسليم الأول وغيرهم كانوا من أتباع الطرق الصوفية، والواضح أن الصوفية في تركيا هي مرادف لكلمة الإسلام، وليس مقصودًا منها البدع والمنكرات التي نراها في كثير من بلاد العالم الإسلامي، ولا يعني هذا أن الصوفية في تركيا بلا أخطاء أو بدع، ولكنها بالتحقيق النزيه تعدّ من أفضل الطرق الصوفية فهمًا للدين على مستوى العالم الإسلامي، وهي تعني عند كثير من أتباعها هناك تزكية النفس، وتطهيرها من الآثام، والاتّباع الكامل لرسول الله r.

العلامة الكبير بديع الزمان سعيد النورسيولم تَمُتِ الحركة الإسلامية بإعدام الشيخ سعيد بيران، بل إنها ازدادت قوة بظهور نجم صوفي جديد من أتباع الشيخ سعيد بيران، وهو العلاّمة الكبير، والمجدِّد العظيم بديع الزمان سعيد النورسي، الذي أعلن بوضوح رفضه لمبادئ العلمانية الوقحة التي أتى بها أتاتورك، فنُفِي إلى مدينة نائية من مدن تركيا هي بوردو، ثم إلى مدينة أورفة، وظل في المنفى طيلة حياته حتى مماته، وذلك من سنة 1925م إلى سنة 1960م (35 سنة متصلة)، ومع ذلك فرسائله إلى أتباعه في داخل تركيا لم تنقطع، ومؤلفاته لم تتوقف، وهو أحد أهم أسباب انتشار الإسلام في تركيا، وهو من العلامات الفارقة في تاريخ الأمة الإسلامية؛ فقد كانت كلماته تنفذُ إلى القلب والعقل، فتثبِّتُ المسلمين في تركيا على الرغم من القهر الشديد لأتاتورك وأتباعه.. وفي العموم فإن قصة بديع الزمان النورسي تحتاج إلى دراسة خاصة، وإلى تعمق ووعي؛ لأن آثاره الحميدة على الشعب التركي ما زالت موجودة إلى الآن.

وفي خطوة لترسيخ العلمانية بشكل أكبر قامت الحكومة الأتاتوركية سنة 1930م (بعد سقوط الخلافة العثمانية بست سنوات) بإغلاق مدارس الأئمة والحفّاظ التي كانت منتشرة أيام الخلافة الإسلامية، والتي كانت تقوم بتخريج الطلبة المتخصصين في العلوم الدينية، لكن بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك سنة 1938م عادت المطالبة من جديد بفتح هذه المدارس، وخاصة في القرى التي ما زالت تحتفظ بشيء من تراثها الإسلامي الأصيل، وتم ذلك بالفعل في سنة 1947م، وفي نفس السنة تم إنشاء بعض الجمعيات الإسلامية على استحياء لتنادي ببعض المظاهر الإسلامية البسيطة، وذلك مثل جمعية الإسلام، وجمعية التطهير.

عدنان مندريسفي سنة 1950م حدث تغيرٌ مُهِمٌّ في الحكومة التركية صعد على إثره عدنان مندريس إلى رئاسة الوزراء في تركيا، وظل في منصبه إلى سنة 1960م، ولم يكن عدنان مندريس إسلاميًّا ولكنه كان وطنيًّا يُظهِر إمكانية التعامل مع كافة القوى من أجل مصلحة تركيا. وفي هذه الظروف نشط الاتجاه الإسلامي نسبيًّا، وبدأت هناك بعض المطالبات بحريات أكثر وأكثر للتيار الديني، وزادت أعداد مدارس الأئمة والوعاظ، وبرز دور علماء الدين بشكل أوضح.

لم تكن هذه التغيرات خافية بطبيعة الحال عن الجيش التركي الذي يقوم بدور حامي العلمانية والأتاتوركية، فقام الجيش بانقلاب دموي رهيب في سنة 1960م، ونفذوا حكم الإعدام في عدنان مندريس، وكذلك في جلال بايار (مؤسس الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه عدنان مندريس) وفي عدد من أتباعه، مع التصدي بمنتهى العنف للتيارات الإسلامية المتنامية، وكانت هذه صدمة كبيرة للحركة الإسلامية في تركيا، خاصةً أنها جاءت في وقت متزامن مع وفاة العلاّمة الفذّ بديع الزمان النورسي في منفاه بمدينة أورفة في نفس السنة. ولكي ندرك مدى الحقد الذي كان في قلوب العسكريين ضد بديع الزمان النورسي، يكفي أن نعلم أنهم هجموا على قبره، وأخذوا جثته حيث دفنوها في مكان غير معلوم، ولا يعرفه أحدٌ من الأتراك حتى يومنا هذا!

نجم الدين أربكانظل الوضع على هذه الصورة القاتمة إلى أن ظهرت شخصية محورية في تاريخ تركيا، وهو القائد الإسلامي الجليل نجم الدين أربكان، الذي قام بتأسيس حزب السلامة سنة 1972م، وكان ينادي بإقامة "النظام العادل"، ويبرز آفات العلمانية التركية المتشددة، ولم يكن حزبه الأول "السلامة" واضح الإسلامية؛ لكي لا يُقتل في مهده، ولكن كان يبدو إصلاحيًّا وطنيًّا.

وبعد تأسيس هذا الحزب الجديد التقى نجم الدين أربكان مع رجب طيب أردوجان، وكان طالبًا في كلية الاقتصاد والسياسة بمرمرة، وأعجب به إعجابًا شديدًا وضمه إلى حزبه السلامة؛ ليبدأ أردوجان خطواته السياسة مع أستاذه الموقَّر أربكان.

لم تكن هذه التحركات بعيدة عن أعين النظام التركي العلماني، فقام بحل حزب السلامة في سنة 1980م، وظنوا أن الأمر انتهى بهذا القرار، لكن المُخَضْرَم أربكان عاد وأنشأ حزبًا آخر سنة 1983م أسماه حزب الرفاه، والتي كانت توجهاته إسلامية بشكل واضح..

في هذا الحزب الجديد لمع نجم أردوجان بسرعة، وصار أردوجان رئيسًا لفرع الحزب في إسطنبول سنة 1985م (وكان عمر أردوجان آنذاك 31 سنة فقط).

انتشرت فروع حزب الرفاه بسرعة في تركيا، وبدأت صحوة إسلامية حقيقية في ربوع هذا البلد الإسلامي العريق، ولم تعد هذه الصحوة في القرى فقط، بل وصلت إلى المدن، بل وأصبحت السيطرة الكاملة لهذا الحزب الإسلامي في أهم مدينتين في تركيا، وهما إسطنبول وأنقرة.

وفي سنة 1994م حقق الحزب مفاجأة كبيرة بفوزه في انتخابات البلدية في عدة مدن، والأعظم من ذلك والأعجب هو فوز أردوجان بمركز رئيس بلدية إسطنبول!!

أردوجانلقد كانت مفاجأة مدوِّية أن يصعد إسلامي إلى رئاسة بلدية إسطنبول؛ مما يشهد أن الانتخابات في تركيا نزيهة ليس فيها التزوير المشهور في البلاد العربية، وحقق أردوجان في منصبه الجديد إنجازات هائلة؛ ففي خلال أربع سنوات (من سنة 1994م إلى سنة 1998م) استطاع أن ينتشل المدينة من الإفلاس، وأن يحلَّ مشكلات كثيرة مثل انقطاع الكهرباء والمياه، واستطاع أن يحوِّل المدينة من مدينة تتفشى فيها القذارة والإهمال إلى واحة خضراء متميزة، وعندما سألوه عن السر وراء هذا النجاح منقطع النظير، قال في وضوح وشجاعة: "لدينا سلاح أنتم لا تعرفونه، إنه الإيمان، ولدينا الأخلاق الإسلامية، وأسوة رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام". وهذه الروح العالية والإنجازات الباهرة أكسبت أردوجان شعبية كبيرة جدًّا في تركيا، بل إنها كانت من أبلغ الوسائل للدعوة إلى الإسلام.

وفي سنة 1995م حدثت مفاجأة كبرى بفوز حزب الرفاه على أعلى المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا)، ولكن الرئيس العلماني سليمان ديميريل عهد إلى الأحزاب العلمانية بتكوين ائتلاف ضد حزب الرفاه، ومع ذلك شاء الله U أن ينهار هذا الائتلاف ليصعد نجم الدين أربكان إلى منصب رئيس الوزراء في سنة 1996م، ويصبح أول رئيس وزراء إسلامي في تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م.

حدثت أزمة كبرى في داخل الجيش التركي، وفي داخل المؤسسة العلمانية، وكان من رأي بعض قادة الجيش أن يتركوا أربكان في منصبه حيث كانوا يتوقعون فشله، وعدم نجاح مشروعه الإسلامي، وبذلك تصل رسالة سلبية إلى الرأي العام في تركيا، لكن حدث ما لم يتوقعوه، ونجح أربكان في خلال عام واحد من خفض ديون تركيا من 38 مليار دولار إلى 15 مليون دولار، واقترب من حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العالمية، وتقدم الاقتصاد التركي خطوات واسعة، وبات واضحًا تمامًا أن السر في هذا النجاح هو الإسلام!

شعر الجيش التركي بالخطر العظيم فأقدم على الخطوة الآثمة وهي الانقلاب العسكري على حكومة أربكان، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر أربكان على الاستقالة، وتم حل حزب الرفاه، وقُدِّم أربكان إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمسة سنوات، وفي نفس الوقت قُدِّم أردوجان رئيس بلدية إسطنبول إلى المحاكمة بتهمة إثارة الفتنة، وكان من أدلة الحكم ضده أنه قال بعض الأبيات الشعرية في إحدى خُطَبِهِ وفيها "المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حِرابنا، والمؤمنون جنودنا". وصدر القرار بسجن أردوجان عشرة أشهر، ودخل بالفعل السجن لمدة أربعة أشهر، ثم أفرج عنه لحسن السير والسلوك! كما تم منعه من مزاولة النشاط السياسي خمسة سنوات هو الآخر.

لم ييئس أربكان وأردوجان من هذه الصدمات، فأسس أربكان حزبًا جديدًا أسماه حزب الفضيلة سنة 2000م، ولم يكن هذا الحزب باسمه؛ لأنه ممنوع من مزاولة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، إنما كان باسم أحد أهم أتباعه وهو قوطان، وانضم إلى هذا الحزب أردوجان وعبد الله جول (الرئيس التركي الحالي).

وجد أردوجان وجول أن مصير الحزب سيكون كسابقه، ومن ثَمَّ قادا حركة إصلاحية في داخل الحزب، بل وترشحا ضد قوطان في انتخابات داخلية في الحزب، لكن وقوف أربكان خلف قوطان أدى إلى نجاح قوطان؛ مما دفع أردوجان وجول إلى ترك الحزب مع كامل تقديرهما لأستاذهما وأستاذ الحركة الإسلامية السياسية في تركيا نجم الدين أربكان. رئيس وزراء تركيا أردوجان والرئيس التركي عبد الله جول

قام أردوجان وجول بتأسيس حزب جديد سنة 2001م، وهو حزب العدالة والتنمية، ونفّذا فيه مشروعهما الإصلاحي، ووجد هذا الحزب قبولاً واسعًا في الأوساط التركية الشعبية؛ مما أدى إلى مفاجأة ثقيلة جدًّا سنة 2002م حيث فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية مطلقة في الانتخابات البرلمانية، حيث حصل على 368 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا، وأوكل إليه تشكيل الوزارة برئاسة عبد الله جول؛ وذلك لأن رئيس الحزب أردوجان كان في فترة المنع من مزاولة النشاط السياسي، وبعد قليلٍ استطاع البرلمان أن يضغط لتغيير الدستور ليصعد رئيس الحزب أردوجان إلى منصب رئيس الوزراء في تركيا، وذلك في نفس السنة 2002م.

وفي سنة 2003م زال الحظر عن أربكان، فأسس حزبًا جديدًا هو السعادة، لكن الشياطين العلمانيين كانوا له بالمرصاد، وفعلوا ما توقعه أردوجان قبل ذلك، حيث تربصوا به واعتقلوه بتهمة اختلاس حزب الرفاه المُنحَلّ، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، مع أنه كان قد تجاوز السابعة والسبعين من عمره!

وفي سنة 2006م أكد أردوجان شعبيته بالفوز مرة أخرى في انتخابات البرلمان، بحصوله على 331 مقعدًا من أصل 550 مقعدًا؛ مما يثبت بوضوح أن الشعب التركي أصبح طالبًا للإسلام بشكل يهدِّد العلمانية بشكل صارخ.

أين الجيش التركي في هذه التغييرات الجديدة؟!

قد يفكِّر الجيش التركي في التعامل مع ملف أردوجان مثلما تعامل مع ملف أربكان، ولكن الواقع الذي نراه يرجِّح خلاف ذلك!

الحلم التركي في الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبيفالرأي العام التركي - بل والإسلامي في دول العالم الإسلامي المختلفة - قد يهدِّد سلامة وأمن الجيش التركي إذا أقدم على إزاحة رجل له هذه الشعبية الجارفة، كما أن رغبة القادة الأتراك في الجيش وفي غيره في الالتحاق بالاتحاد الأوربي تضع عليهم قيودًا حقيقية في التعامل مع ملف أردوجان؛ لأن تدخل الجيش التركي في اختيار الشعب سينسف كل الجهود السابقة للالتحاق بركب الاتحاد الأوربي. وأضف إلى ذلك الخطورة الاقتصادية الكبيرة لتدخل الجيش، وليس ببعيد ما حدث من انهيار البورصة التركية بنسبة 10% لمجرد تقديم أردوجان في عام 2008م للمحاكمة للطعن في شرعية حزبه، مع أن المحكمة حكمت في النهاية لصالح أردوجان، وليس ببعيد أيضًا أن تركيا في ظل حكومة أردوجان قد انتقلت اقتصاديًّا من المرتبة 115 على مستوى العالم في مسألة جذب الاستثمارات إلى المرتبة الثالثة والعشرين!

إننا لا نضمن الجيش التركي ولا العلمانيين فيه، ولكننا نضمن ونطمئن تمامًا إلى أن الله U لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإلى أن الإسلام قادمٌ قادم، وإلى أن البركات التي يُنزِلها الله U على الذين اختاروا منهجَ الإسلام أكثر وأعظم من أن تُحصى بورقة وقلم، أو تُحسب بالطرق المادية.

إنه يكفينا أن نتدبر في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

ونسأل الله U أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين!!